حرب ابناء العمومة
ضياء المحاميد
حرب البسوس تُعد من أعظم الوقائع الجاهلية التي امتدّت أربعين عاماً بين قبيلتي تغلب وبكر ابنتي وائل، وقد بدأت بشرارة صغيرة حين نزلت البسوس بنت منقذ، خالة جساس بن مرة، ضيفة على بني بكر ومعها ناقة تُسمّى سراب، فدخلت الناقة مراعي كليب بن ربيعة سيد تغلب الذي كان يُعرف بشدة بأسه وسطوته حتى لُقّب بملك البادية، وكان يمنع أحداً من الاقتراب من موارده من دون إذن، فرأى الناقة ترعى في حماه فغضب ورماها بسهم قتلها، فصرخت البسوس صرختها الشهيرة التي أجّجت روح الثأر في قلب جساس، فخرج يبحث عن كليب حتى لقِيه وطعنه طعنة قاتلة أثارت العرب وأشعلت نار الخصومة، وعندما بلغ الخبر إلى المهلهل بن ربيعة أخي كليب، الشاعر والمحارب، أخذ على نفسه ثأر أخيه وأعلن بداية صراع طويل رفضت فيه بكر تسليم جساس، فانطلقت سلسلة من الغزوات والمعارك بين القبيلتين كانت أشبه بمطر متقطع من الدم، حرب لا تستمر كل يوم لكنها تتجدّد في كل موسم، وكلما ظهر ثائر جديد أو تذكّر أحدهم طعنة مرت عليه السنين، فاشتعلت البوادي بالقتل والسبي والحصار، وتزعزعت قبائل ربيعة كلها، وظهر المهلهل بقصائده التي كانت تجمع بين الرثاء والحماسة، فتلهب قومه وتزيد الحرب اشتعالاً، وتحوّلت تغلب وبكر إلى شعبين مستنزفين، منهم من هاجر إلى أطراف العراق والشام ومنهم من تفرّق في الوديان، واستمرت الحرب حتى دخل الحارث بن عباد، أحد حكماء بكر، الذي كان قد رفض الصراع في بدايته قائلاً لا ناقة لي في هذا ولا جمل، لكنه اضطر لدخوله بعد مقتل ابنه بجيلة، ودخوله قلب الموازين لما كان يملكه من حكمة وقوة، فازدادت المواجهات ضراوة واتّسعت رقعة الدمار، وفي لحظة مفصلية أُسر رجل من تغلب عند الحارث فظنه المهلهل فقتله ثأراً لابنه، ثم تبيّن له أنه ليس المهلهل فندم على فعله، لكنه أدرك في الوقت ذاته أن الحرب صارت عبئاً على الجميع، فكان ذلك من الأسباب التي دفعت القبيلتين لاحقاً إلى القبول بالصلح بعد أن أنهكهما النزيف، فانطفأت نار البسوس شيئاً فشيئاً حتى زال آخر رمادها، لكنها خلّفت أثراً عميقاً في الذاكرة العربية، وصارت مثلاً يُضرب في طول الثأر وامتداد الخصومات وتحولها من شرارة هينة إلى سلسلة لا نهاية لها من الدم، وأصبحت رمزاً لطبيعة المجتمع القبلي حين تتحكم به العصبية وتغيب عنه الحكمة، وتحوّل كلمة واحدة مثل صرخة البسوس إلى ملحمة دموية، ودليلاً على أن الهيبة إذا فُهمت خطأ قد تهدم صاحبها، وأن القوة حين تتجاوز حدودها تُولد قوة مضادة قد تستمر جيلاً بعد جيل، وأن الحرب التي تبدأ بظلم صغير قد لا تنتهي إلا حين تنهار قوتان عظيمتان وتتعب الأرض من حمل دمائهما، ولهذا بقيت حرب البسوس حتى يومنا نموذجاً تاريخياً يُظهر كيف يتضخم الخلاف البسيط حين يُترك للنعرات دون عقل، وكيف ينقلب مجتمع كامل من السلم إلى السيف بمجرد أن يشعر أن الكرامة مهددة، حتى أصبحت هذه الحرب مرآة صافية لطبيعة العرب في الجاهلية وما كانوا عليه من اعتزاز بالنسب والهيبة واستعداد لتحويل حادثة ناقة إلى صراع يمتد أربعين عاماً، ومع ذلك فإنها تركت درساً بالغاً مفاده أن السلام أغلى من الكبرياء حين يتحول الكبرياء إلى جحيم لا يترك لأحد فرصة للعيش.