المتكبرة
Maria Alsoubeni
المتكبرة
كانت تسير شامخة برأسها نافخة أنفها في عجب وصلف وكبرياء ، وترمي ما حولها ومن حولها بنظرة
استعلاء وازدراء واحتقار
لم تكن لها صديقات بين زملائها في المدرسة. وكنا نراها تدخل إلى المدرسة وحيدة، وتخرج من الصف منفردة، وتقف في الباحة وحدها ترقب الطالبات من بعيد في أنفة وتكبر. فإذا همت بالدخول إلى الصف انتظرت حتى تدخل بقية زملائها. فإذا لم يبق أحد دخلت الصف، وهي تزوي ما بين عينيها في استعلاء دون أن تحيي واحدة من زملائها. وتسير رافعة رأسها، وجسمها متصلب في استقامة واحدة. حتى إذا وصلت إلى مقعدي الذي اشترك معها في الجلوس عليه بادرتني بهزة من رأسها، كأنما أوضحت بها عن التحية، وأخرجت المنديل الورقي من جيبها، ونظرتإلى المقد بازدراء ، ومسحته بتقزز وتأفف . وقد تبدي أحياناً استياءها من الأذنات اللواتي لا ينظفن المقاعد كما ينبغي ، ثم تدخل إلى مقعدها الخشبي ، وتقف على قدميها برهة ، وكأنها تستعد للجلوس في نصنع وكبرياء ، حتى إذا جلست ووضعت حقيبتها فوق المقعد ، تناولت ذلك المنديل الورقي من جديد ، ونظفت درج المقعد من الداخل بقرف ، ثم رمت بالمنديل إلى زاوية الدرج .
وفتحت محفظتها ، وأخرجت منها الكتب والدفاتر المطلوبة في تلك الحصة الدرسية ، وقلبت بأطراف اصابعها الكتاب أو الدفتر، وتطلعت من جديد إلى خشبة المقعد التي تسند إليها ظهرها ومع أنها تكون قد نظفتها ومسحتها بالمنديل قبل ذلك ، غير أنها تنظر إليها بتقزز وحذر من جديد ، ثم تسند ظهرها إلى خشبة المقعد رافعة جسمها ورأسها في شموخ ، حتى تبدو وكأنها منتصبة في قطعة واحدة فوق المقعد
وكانت زميلاتي في الصف يسألني مستغربات : كيف ترضين أن تجلسي أمام هذه المتعجرفة ، وكيف تتحملين وجودها إلى جانبك طوال نهارك وفي مقعد واحد ؟ فكنت أبتسم في صمت . دون أن أجيب على كلامهم بشيء ..
والواقع أني تعودت عليها ، فأنا من طبيعتي أني لا أحب الكلام الكثير والخوص في الأحاديث التي تغتاب فيها بعض الطالبات غيرهن ، ولا أحب أن أتكلم في أثناء الدرس أبداً ، فكنت اضمن بحلوسي إلى جانبها في صمت الانتباه إلى المعلمات وهن يلقين دورسهن ، وأتوجه إليهن بكل اهتمام. أما إذا انتهى موعد الدرس فكنت أتركها إلى بقية زميلاني ، نقضي وقت الاستراحة في الباحة في لهو بريء وأحاديث لا أسيء فيها لأحد وكنت أحاول أن أجنب نفسي مواطن الأدى والشبهات في الباحة ما استطعت .
ولقد حاولت مرات ومرات أن أدعو زميلتي في المقعد إلى مشاركتي في السير في الباحة معاً ، ولكن دون جدوى. وقد سألتها مرة : لم لا تحاولين أن تتخذي صديقة لك من بين زميلاتك ، فنسيرين معها وتتحدثين إليها وتتسلين وتروحين عن نفسك عناء الدروس ، فأجابتني وهي ترفع أنفها وتزوي ما بين عينيها وتهز رأسها في ألفة وصلف : ( كلهن من نوع بلدي ، فليس بين هذه الطالبات واحدة تستحق أن أسير معها ولو مرة واحدة ... وهكذا تلقيت منها ذلك الرد العنيف ، و شعرت كأنها تصفعني به صفعاً ، لأنني كنت أود أن أخرجها من وحدتها وألين بعض الشيء من طباعها ولم أعد أحاول أن أعرض عليها مثل هذا الطلب مرة أخرى .
وفي يوم من الأيام كنا قد خرجنا إلى الفرصة كعادتنا . وكنت أقف مع بعض صديقاتي في الممر المؤدي إلى باحة المدرسة الواسعة ، وكانت تسير، وبيدها مجلة تحاول أن تقلب صفحاتها باستعلاء وتصنع تارة، وأن ترمق من حولها من الطالبات بنظرة ازدراء تارة أخرى . وفجأة ، وبدون أن تشعر ، اقتربت من الحائط الذي أمامها ، فإذا بها ترى عليه بقعة سوداء من هباب أسود تناثر من المدافىء التي نظفها الأذن ونسي أن يمسحها فبقيت آثارها على ذلك الحائط . وكانتفي ذلك اليوم ترتدي ( تنورة ) بيضاء راهبة فوقها قميص أزهر اللو ، وكان من عادتها أن تستغل الظروف بين حين وحين ، فتخرج على نظام اللباس المدرسي الرسمي سباهية بارتداء الملابس الفاخرة التي لديها ، فكانت تأتي بين حين وآخر بلباس مختلف عن اللباس الذي ارتدته في أية مرة سابقة. وعندما شاهدت تلك البقعة السوداء التي أثارت منها على الحائط ارتسمت على وجهها أمارات القرف والتقزز ، ثم تراجعت إلى الخلف ، أرادت أن تظهر هذه المرة أمام زملائها الطالبات القضايا التي بنها إلى هذا التقزز والقرف ، فزادت من ذنوبها ، وبدأت صوتاً يسمعه الجميع ، وهي تشير بأصابعها إلى تلك البقعة السوداء التي أمامها على الجدار. وعندما أغلقت أنها استرعت انتباه جميع الطالبات إليها زادت من ذنوبها وتراجعت إلى الواره بسرعة. حتى التصفت بالجدار المقابل في الممر ، وكان منظراً !!. فقد التصقت ببقعة سوداء على الجدار المقابل أدهى وأمر من تلك البقعة التي رأتها على الجدار الذي كانت أمامه .
وصدرت من الطالبات اللواتي كن في الممر شهقة عالية ، وهن ينظرن إليها بدهشة وتشف وقد التصقت بالجدار من الخلف، واقترين منها يتطلع إلى ( تنورتها ) البيضاء وقد رسمت ببقعة كبيرة سوداء ارتسمت عليها في منظر مقرف حقاً . وما كانت تدري ما حدث . وأخذتها الدهشة وهي تتطلع إلى الطالبات وهن يحدقن في ( تنورتها ) ويشرن إلى البقعة ويتضاحكن في هزه وسخرية ، حتى تجمعت عليها الطالبات من كل جانب ، وامتلأ الممر بالزميلات اللواتي غادرن الباحة وتجمعن في الممر ليرين هذا المنظر المضحك ، وسوعن أخذهن الشماتة بها ، فأطلقن ضحكاتهن مدويات عاليات وتسبب بالهزء والسخرية ، إلى جانب بعض العبارات الجارحة الموجهة لكبريائها الجموح وتلفتت خلفها وراحت تتلمس تلك البقعة السوداء الكبيرة على ( تنورتها ) ، فاريد وجهها ، وتغير لونها ، وانهمرت الدموع من عينيها في حزن والم ... ولم أتمكن أن أبقى في مكاني ، فأسرعت إليها أربت على كتفها وأخفف من آلامها ذلك اليوم لأول مرة إلى بيتها .. وصحبتها
ومضت أيام قليلة تغيبت فيها عن الحضور إلى المدرسة وإذا بي في يوم من الأيام أفاجأ بأمي وهي تناديني قائلة: صديقتك أمام الباب. وأسرعت نحو الباب فوجدتها واقفة تبتسم في تواضع وحياء. لقد عرفتها وأنكرتها - أنكرتها الرذيلة لم أعهد فيها لنفسها الحياء والخجل والتواضع الجم البادي على محيها. وأسرعت إليها أقبلها لأول مرة .. وكانت الدموع تنهمر من مافينا في صمت. وطوقت عنقها بساعدي وأنا أسير بها إلى الداخل. وما كادت ترتمي على أول مقعد أمامها حتى أجهشت بالبكااء، ثم التفتت إلى تقول: اعذريني يا أختي عن كل ما بدر مني خلال الأيام التي كنا فيها معاً في المدرسة، فقد كنت صورة للطالبة المتعجرفة المتكبرة السيئة. ولو أنا كنت أحسن معاملة صديقتي لتبهنني إلى تلك البقعة قبل أن ترتسم على ثياب، ولجنبني ما تعرضت إليه من هزء وسخرية، ولكنني كنت متعالية على الجميع، فتخلين عن دفعة واحدة،
-٩١وكان درساً قاسياً علمني حقيقة الحياة، وأن على الإنسان أن يكون ونلت عقابي الذي استحقه ، محباً للناس متسامحاً يعفو عن اساءاتهم ويوجد المعاذير لغيره كما يوجدها لنفسه ، وعليه ألا يترفع على الناس ويستعلي عليهم وهو من الناس ، بل عليه أن يشعر أن الناس خير منه . دوماً وابداً ، وعليه أن يتحلى بما هم عليه من صفات حسنة وأخلاق حميدة . ولقد كنت أخجل أن أعود إلى المدرسة على الرغم من أنني تغيرت تغيراً كلياً ، بعد أن أدركت خطئي في سلوكي ومعاملتي لأخواتي وصديقاتي . ولا أدري في الحقيقة كيف أواجههن من جديد ، وأنا في أشد الخجل منهن جميعاً. ولقد اعترفت لوالدتي بخطئي ، فأوصتني أن ألجأ إليك ، فأنت التي احتويتني بصدرك الواسع ، وأسرعت المواساتي في أعصب الأوقات ، ولم أجد منك طوال بقائي في المدرسة إلا كل معاملة حسنة . ولقد كنت أفضل مني دوماً وحاولت أن تخرجيني مما كنت فيه من سوء معاملة ، فلم أستجب لندائك . فأرجو ان تقبلي معذرتي ، وأن تقبليني أختاً لك إذا رضيت بي أختاً . لم أستطع أن أحبس دمعتين انسابتا فوق خدي ، ودنوت منها أقبلها من جديد ، وأربت على
كتفها ، ووعدتها خيراً .
وفي اليوم التالي عرجت عليها ، لأصحبها معي في طريق ذهابي إلى المدرسة . وكنت قد أخبرت صديقاتي جميعاً بأمرها . وعندما دخلت إلى باحة المدرسة أسرعت صديقاتي واحدة تلو أخرى لاستقبالها في حنو وعطف . وشعرنا بأن عرى الأخوة والمحبة تقوى بيننا جميعاً ومنذ ذلك الوقت لم تعد تفارقني إلا نادراً .